ميلبوميني و ثاليا

نشر في /بواسطة: في:

david-garrick-between-tragedy-and-comedy-1761(1)

الحياة عبارة عن مأساة عندما تنظر إليها من قريب، و كوميديا عندما نتظر إليها من بعيد.

إقتباس شهير من أحد أبرز أيقونات الفن البريطاني تشارلي تشابلن، فحين يعرفه العالم بعروضه الكوميدية الفريدة من نوعها، هناك جانب آخر من حياته لا يعرفه الكثيرون، السير تشارلز سبينسر تشابلن (أسمه الحقيقي) واجه حياة صعبة منذ الصغر، و هنا لا أتحدث عن حصوله على المركز الثالث في مسابقة محلية لتقليد تشارلي تشابلن، بل أتحدث عن إضطراره للعمل في وظيفة شاقة بعمر تسع سنوات بسبب معاناة عائلته من الفقر الشديد، بالإضافة إلى وفاة والدته بسبب المرض و ذلك بعد غيابها هي و زوجها عن تشارلي أغلب فترة طفولته، كل ذلك و أكثر حدث قبل أن يصل إلى النجومية و يصبح الأيقونة التي نعرفها اليوم.

Screen Shot 2015-05-05 at 23.48.56

بالطبع، لم يدخل أحد منكم هذه المقالة ليتثقف عن فنان بريطاني قديم، ربما تتسائلون الآن “ما هذا العنوان الغريب؟ هل يخاطبنا عبدالله بلغة أغريقية قديمة؟” و إجابتي على هذا السؤال لن تكون بالنفي. هل يبدو منظر الأقنعة التي بالأعلى مألوفاً؟ إنها أقنعة الدراما و الكوميديا المعروفة في عالم المسرح، و يعود أصل هذه الأقنعة إلى الحضارة الأغريق القديمة، حيث أرتدى الفنانون و الفنانات هذه الأقنعة فوق خشبات المسارح المفتوحة الضخمة، و ذلك من أجل تمكين الجمهور من التفرقة بين الشخصيات من عدة نواحي مثل العمر، الجنس، الحالة الأجتماعية، و الأهم من ذلك، المشاعر. كان للأغريق في ذلك الوقت العديد من الآلهة الخرافية التي تمثل أمور كثيرة في حياتنا مثل الشمس و القمر و غيرهم، و من ضمن هذه الآله ستجد أثنتان تمثلان الفن، و هما ميلبوميني (المأساة) و ثاليا (الكوميديا). اللوحة التي ترونها في واجهة الموضوع هي من أعمال Joshua Reynolds بعنوان “Garrick Between Tragedy and Comedy”.

5869

المسرح فن عظيم و راقي، مارسه الأغريق أولاً في قرون ما قبل الميلاد و تطور هذا الفن مع تطور حضارات البشر، فشهد المسرح أنواعاً جديدة من الفن كالدراما، الموسيقى، الكوميديا، و المآسي، و أبدع فيها الكثير و الكثير من أمثال تشارلي تشابلن على مر القرون. الألعاب كذلك فن عظيم و راقي، ولد في منتصف القرن العشرين، فهو فن يافع و لا يزال بحاجة إلى التطور و التوسع لكي ينافس الفنون الأخرى التي عرفها البشر، و مع ذلك نجحت الألعاب في حالات خاصة في الوصول إلى مستويات عالية ترفع لها القبعات و تحمر لها الأيادي بالتصفيق، أعمال تملك جميع العناصر الفن و التي تم تطبيقها بأسلوب لا يمكن تطبيقه في أي مكان آخر، أعمال تنافس الفنون القديمة بشدة، و تحرجها أحياناً، أعمال تستطيع أن تقول عنها فن لا مثيل له.

brothers_header

لعل أحد أجمل الأمثلة على الألعاب التي قدمت عناصر الدراما بأسلوب ممتاز هي أحد أكثر الألعاب إبتكاراً في عام 2013، لعبة Brothers: A Tale of Two Sons من أقصر الألعاب التي لعبتها و لكنها تركت أثر على مدى طويل، أسلوب التحكم كان له دور كبير في ذلك، حيث إنك تتحكم بالأخوين اليتيمين Naia و Naiee بنفس الوقت، و يجب عليهم أن يتعاونوا  على حل الألغاز و تجاوز الحواجز التي تقف في طريقهم. على الرغم من عدم وجود أي حوارات واضحة بين الشخصيات، الا إن أحداث القصة الدرامية ستحرك عواطفك بأسلوبها الساحر، أغلب المراجعين شبهوها بألعاب فنية رائعة مثل Ico، Journey، و Limbo، و لكنني أرى إنها عمل فني فريد من نوعه و يستحق التجربة.

dFZA8yk

إذا كنت أريد الحديث عن الجانب الكوميدي في فن الألعاب، فلا أجد في ذاكرتي غير لعبة Portal 2، متأكد إن ثاليا ستفرح بها كثيراً، فعلى الرغم من إن جميع شخصيات اللعبة عبارة عن روبوتات بذكاء صناعي، بإستثناء بطلتنا الصامتة Chell، الا إن اللعبة (على عكس Brothers) حملت الكثير من الحوارات الفكاهية و الممتعة، ما بين غباء Wheatley، مستوى السخرية العالي عند GLaDOS، و خطابات Cave Johnson الرائعة و التي قام بأداءها الممثل الحائز على جائزة الأوسكار J.K. Simmons، ستجد إن Portal 2 أحد الألعاب القليلة التي قدمت حس فكاهي متقن و لا ينسى. Portal 2 لعبة ألغاز غنية عن التعريف، يعتبرها الكثيرون أفضل ألعاب الجيل و ربما أفضل العاب التاريخ، و هي مثال رائع على التطبيق المثالي لفن الكوميديا في الألعاب، بالإضافة إلى أمور أخرى مثل التلاعب بقوانين الفيزياء و التي سأتحدث عنها في مقالة أخرى بالمستقبل إن شاء الله.

lastofusRbanner

لا أستطيع أن أترك لعبة The Last of Us خارج هذه المقالة، فهي من الألعاب النادرة التي جمعت عناصر الفن المسرحي بأسلوب بارع، فأمتلكت الدراما ليس فقط بين الشخصيات الرئيسية بل حتى الشخصيات الثانوية التي إلتقينا بهم طوال اللعبة، إمتلكت الموسيقى المذهلة التي قدمها الملحن الحائز على جائزة الأوسكار Gustavo Santaolalla، إمتلكت الكوميديا بصورة طفيفة عن طريق نكت طريفة لن تراها قادمة، و بالطبع، إمتلكت الكثير من الأحداث المأساوية من بدايتها حتى نهايتها، بالحقيقة لا أجد كلمات المديح التي ستعطي هذه اللعبة حقها. ألعاب قليلة جداً التي تنافس The Last of Us في هذه الأمور، BioShock Infinite و Red Dead Redemption أحد أبرز هذه الألعاب، و لكنني لا أريد أن أتحدث عن أكثر من ثلاثة ألعاب في هذه المقالة لكي لا أخذ الكثير من وقتكم، و سيكون من الأفضل أن تقضي هذا الوقت في تجربة هذه الفئة من الألعاب التي تعتبر فناً حقيقياً.

Podcast_20141219_Esquinca_Mentes_Chaplin

يعود نقاش “هل الألعاب فن؟” إلى واجهة الأخبار بين الحين و الآخر، و الجواب الحقيقي هو، ليس دائماً، الكثير من الألعاب تم تصميمها بهدف الترفيه و الترفيه فقط، و لا تملك الجوانب الفنية التي ذكرتها في الأمثلة السابقة، و هذا ليس أمراً سلبياً، ففي النهاية إسمها “ألعاب” و الترفيه هو كل ما تتوقع منها. تحويل الألعاب إلى فن يتطلب مجهوداً إضافياً، يتطلب إبتكار و سحر Brothers، يتطلب حس و تألق Portal، يتطلب إتقان و جمال The Last of Us، و غيرها من المتطلبات التي لن يصل أليها أي مطور عادي. نحن اللاعبين نملك دور كبير في تطوير الجوانب الفنية في الألعاب، فعلينا أن ندعمها و نساهم وضعها في الواجهة، علينا أن نري العالم إن الألعاب ليست مجرد أداة ترفيهية بل منصة ضخمة لأعمال فنية لا مثيل لها، تماماً كما فعل الإغريق مع ميلبوميني و ثاليا. سأنهي المقالة بمقولة أخرى للسير تشارلي تشابلن، قال فيها “لكي تضحك بصدق، عليك أن تكون قادر على أخذ آلامك، و اللعب بها”.

تعليقات 5

Send this to a friend