حرية الإختيار في قاع المحيط

نشر في /بواسطة: في:

“Would you Kindly.”

عبارة قوية.

عبارة مألوفة؟

عبارة لن أنساها لزمن طويل، أتت في لعبة تدعى BioShock التي يعتبرها كثير من اللاعبين و النقاد أحد أفضل الإنجازات الفنية في صناعة الألعاب لعدة أسباب منها أسلوب اللعب الثوري، تصميم المراحل الساحر، الموسيقى المثالية، و بالطبع، السرد القصصي الذي لا مثيل له.

كلها جوانب كافية لتحويل أي لعبة إلى لعبة عظيمة، و لكن BioShock، بالنسبة إلي، أكثر من لعبة عظيمة، و ذلك لأنها تعمقت في جانب آخر لا تجده في الكثير من الألعاب، و هو الجانب الفلسفي.

الخوف، الضياع، الحيرة، الإثارة، الدهشة، و القليل من الأمل، هذه بعض المشاعر التي شعرت بها خلال أول 5 دقائق من أول تجربة لي مع BioShock. تقع أحداث اللعبة في “Rapture” و هي مدينة في قاع المحيط الأطلسي، الهدف من هذه المدينة هو صناعة مكان مثالي خالي من “طفيليات” المجتمع المتحضر.

المدينة لم تعش طويلاً و أنهارت بعد أن أشتعلت نيران الفوضى في حفل رأس السنة الميلادية لعام 1958، تحولت Rapture من مكان مثالي إلى جحيم مليء بالمجرمين و القتلة، مما أسس الظروف المناسبة لوضعك أنت اللاعب أمام قرارات كبيرة و مصيرية، و لكن السؤال هو، هل كانت لك الحرية الكاملة في إختيار هذه الخيارات؟

“الرجل يختار، العبد يطيع.”

slice_bioshock_wallpaper_big_daddy_01

ستبدأ رحلتك في مدينة Rapture و أنت شبه أعزل، لا تملك سوى مفتاح الربط “Wrench” كسلاح و القدرة على شل الأعداء بصعقة كهربائية “البلازميد” و لكي تتمكن من القيام بهذه القدرة ستحتاج إلى مادة الـ ADAM و التي عليك أن تحصل عليها من خلال الـ Little Sisters، هنا ستجد نفسك أمام خيارات أخلاقية كبيرة.

الخيار الأول Rescue: القيام بإنقاذ الـ Little Sisters عن طريق تدمير مصدر الـ ADAM بداخلهم، مما سيبقيهم على قيد الحياة.

الخيار الثاني Harvest: القيام بحصد الـ ADAM من الـ Little Sisters بالعنف مما سيؤدي إلى مقتلهم على يديك.

قد يبدو الخيار بسيطاً عند أي شخص عاقل و لكن هنا يقع الخلاف، الخيار الأول سيعطيك 80 نقطة ADAM فقط بينما الخيار الثاني سيعطيك ضعف ذلك، 160 نقطة ADAM، أصبح الأمر أكثر تعقيداً، أليس كذلك؟ يبدو و إنه خيار كبير و مصيري، و لكنه في الحقيقة ليس كذلك.

فور وصولك إلى Rapture سيطلب منك شخص مجهول أن تلتقط جهاز الراديو لكي يتواصل معك، سيطلب منك أن تلتقط أي شيء من على الأرض لكي تستعمله كسلاح، و سيطلب منك بأن تخفض هذا السلاح عندما تقابل Big Daddy لأول مرة، سيستمر هذا الشخص في توجيهك و ستطيعه من دون تساؤل، لم ستشكك به أساساً؟ بعد كل ما مررت به منذ أول مشهد باللعبة، سيكون أول صوت ودي تسمعه هو الشيء الوحيد الذي ستثق به، على الرغم عن عدم معرفتك لهذا الشخص و ما هي نواياه، لا تملك خياراً آخر.

ستتجاهل رغبتك الخاصة، و هي عالأرجح، تحت هذه الظروف، الخروج من هذا الجحيم، و ستواصل الإستجابة لطلبات هذا الشخص المجهول و تقوم بأعامل أكبر من إلتقاط أشياء من على الأرض، ستأخذ أشياء ليست ملكك، ستصنع آلات لن تنفعك، و ستقتل أشخاص لا تعرفهم، كل هذا و أكثر، قبل أن تصل إلى المرحلة التي سيتوضح فيها كل شي، و ستكتشف الحقيقة.

ما حدث في BioShock هو أن اللعبة أوهمتك بامتلاك القدرة على اتخاذ القرار عن طريق وضع خيار إنقاذ أو قتل الـ Little Sisters، قمت بإتخاذ بقية القرارات رغماً عنك لأن تعلم أن هذه هي الطريقة الوحيدة للتقدم باللعبة، على الرغم من كون بعض هذه القرارات ليست منطقية ولا تصب في مصلحتك الشخصية، و ستكتشف لاحقاً أن جميع هذه الخيارات كانت لمصلحة الشخص المجهول على الراديو، الذي استغلك للحصول على رغباته الشخصية.

أغلب خياراتك المهمة باللعبة لم تتم خلال مشهد سينمائي كما يحدث في بقية الألعاب، بل سيحدث أثناء اللعب، أنت من سيضغط الأزرار لتحقيق كل هذه الأمور، و النتيجة هو أنك ستكتشف لاحقاً أن اللعبة هي من لعبت بك و لست أنت من لعب اللعبة.

“حتى في كتاب الأكاذيب في بعض الأحيان ستجد الحقيقة.”

bioshock-nogods

تعتبر أحداث اللعبة نوعاً من التعبير المجازي لأحد الجوانب المظلمة من الحياة الواقعية، و هو ما يدعى “وهم الإختيار”.

كم شخص منا يتخذ خياراته وفقاً لرغبته و مصلحته الشخصية بدلاً من رغبات و مصالح شخص آخر؟

هل تملك حرية الإختيار المطلقة في الأمور المهمة في حياتك؟

تقول أحد النظريات إن كل فعل تقوم به هو مجرد ردة فعل لشيء حدث مسبقاً “Cause and Effect” مما يعني أن ليس هناك وجود لحرية الإختيار بالواقع، حتى وجودك في هذه المقالة في هذه اللحظة كان بسبب سلسلة أحداث جعلتك تقوم بذلك. هل حرية الإختيار فعلاً مجرد وهم؟

هناك إقتباس جميل باللعبة يقول “جميعنا نصنع قراراتنا، لكن في النهاية، قراراتنا هي ما يصنعنا” ذلك يعني أننا أحرار في صناعة قراراتنا، و هذا بلا شك ما يؤمن به Andrew Ryan مؤسس Rapture، فإن أول ما ستراه عندما تدخل المنارة التي ستأخذك للمدينة هو تمثال له فوق جملة “No Gods or Kings, Only Men” و هذا هو المختصر المفيد لفلسفة Andrew Ryan التي دفعته لبناء هذه المدينة، أراد أن يصنع عالم خالي من أي نوع من القوى اللتي تتحكم بقراراتك، أراد عالم يكون فيه الإنسان مالكاً لنفسه.

قد يكون سؤال “هل نملك حرية صناعة القرار؟” سؤالاً مثيراً للجدل، و لعل هذا ما يجعل BioShock منتج فني مميز، إنها تحفة في الرواية القصصية و العمق الفلسفي في صناعة الألعاب، تجربة فريدة من نوعها و لم تتمكن الكثير من المنتجات، في صناعة الألعاب و غيرها، من تقديم تجارب مشابهة لها.

أتمنى أن أكون قد وفقت في توصيل المعنى الذي أردت توصيله بهذه المقالة، لطالما كنت أرغب في الكتابة عن BioShock كونها أحد الألعاب القريبة. سألقاكم بإذن الله في مقالات أخرى، مع إحترامي، مرافقكم الرقمي.

تعليقات 4

  • Abdulrahman Bahioun

    المشاعر اللي وصفت بها تجربتك في بداية اللعبة هي تقريباً نفسها اللي عشتها معها، صوت خطوات Big Daddy لما تسمعها لأول مرة تصيبك بالقشعريرة!

    اتذكر Bioshock كانت من الألعاب الأولى اللي لعبتها في بداية الجيل الماضي و هي اللي حسستني فعلاً أننا بدأنا جيل جديد من الألعاب وقتها. كل شيء فيها مميز، أسلوب لعبها، عالمها، قصتها و طريقة سردها و تلاعبها بعواطفك أشياء خلتني أعشقها جداً.

    بالنسبة لي الجزء الأول من Bioshock وضع معيار مرتفع جداً، قليل من الألعاب لامسته و يمكن حتى أجزاء السلسلة الثانية ما وصلت له، على الأقل بنظري.

    ألعاب مثل Bioshock بالجيل الماضي و Shadow Mordor هذا الجيل هي ألعاب عرفت جيل، مب لأن رسمها كان حلو أو أنها أفضل تقنيا من الألعاب الآخرى، لكن هي ألعاب استخدمت فن الألعاب بطريقة مميزة جداً و نادر ما نلقاها بألعاب أخرى.

    شكرا لك على هالمقال الجميل.

    (1)
    رد
  • صالح

    “تقول أحد النظريات إن كل فعل تقوم به هو مجرد ردة فعل لشيء حدث مسبقاً “Cause and Effect” مما يعني أن ليس هناك وجود لحرية الإختيار بالواقع، حتى وجودك في هذه المقالة في هذه اللحظة كان بسبب سلسلة أحداث جعلتك تقوم بذلك. هل حرية الإختيار فعلاً مجرد وهم؟”

    من اجمل ماقرأت من المقالات في موقعكم مع حبي لباقي الكاتبين. وجودي هنا بسبب إطلاق اللعبة السيئ على pc لكن المقال شدني اني اكمل اللعبة, مقال جدا رائع ولك التحية والتوفيق في المقال.

    اتمنى في المستقبل القريب انك تكتب قصة bioshock 1 لانك ابدعت في المقالة او تكتب المصادر الي اعتمدت عليها في فهمك للقصة, ولك اطيب التحية

    (1)
    رد

Send this to friend